تشكل أزمة القطاع العام في لبنان حالة ذات دلالة خاصة، ليس فقط بسبب الانهيار الحاد في الأجور الحقيقية لموظفي الدولة، بل أيضًا نتيجة الاختلالات البنيوية العميقة في تركيبته المؤسسية والتنظيمية. إذ يفتقر القطاع العام اللبناني إلى نموذج موحّد للتوظيف أو نظام وظيفي متماسك يسمح بإدارة الموارد البشرية بصورة مهنية ومتجانسة، ما يعرقل معالجة الأزمة ويعقّد أي مسار إصلاحي. وتتجلى هذه التجزئة في تعدد أنظمة الاستخدام والتقديمات والرواتب بين فئات مختلفة من العاملين في الدولة، من الإدارات المركزية إلى التعليم الرسمي والمؤسسات التربوية العامة، وصولاً إلى الأسلاك العسكرية والأمنية، حيث تخضع كل فئة لأطر قانونية وتنظيمية منفصلة. ويقود هذا التشتت إلى تفاوتات حادة في الأجور والامتيازات والمسارات المهنية، ويحدّ من القدرة على اعتماد سياسات شاملة لإعادة الهيكلة أو تصحيح الرواتب. وإلى جانب هذه الاختلالات البنيوية، يعاني القطاع العام من تضخم نسبي في الحجم مقارنة بقدرات الدولة الاقتصادية والإدارية، وهو عامل يُعد في الأدبيات المقارنة أحد مصادر الأزمات المتكررة في الاقتصادات الحديثة عندما لا يقترن بحوكمة فعّالة وإنتاجية مؤسسية كافية.
انطلاقًا من تشخيص الأزمة، تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة للقطاع العام لا تقتصر على معالجة الأجور، بل تشمل أيضًا تصحيح الحجم وتركيبة القوى العاملة. فقد أدى التوظيف السياسي التراكمي في مراحل سابقة إلى تضخم عدد العاملين في بعض الإدارات والمؤسسات، مع انتشار حالات تدنّي الإنتاجية والتغيب الوظيفي وضعف الكفاءة المهنية، وهي ظواهر ارتبطت في كثير من الأحيان بمنطق الزبائنية الانتخابية أكثر مما ارتبطت بحاجات المرفق العام. وفي هذا السياق، يصبح الإصلاح الهيكلي قائمًا على مبدأ النوعية بدل الكمية، بحيث يكون جهاز إداري أصغر حجمًا وأكثر كفاءة وقدرة على تقديم الخدمة العامة بفعالية أعلى، أجدى اقتصاديًا ومؤسسيًا من جهاز متضخم يتسم بأجور متدنية وإنتاجية ضعيفة. فوجود عدد أقل من الموظفين المؤهلين، يتقاضون أجورًا لائقة مقابل أداء فعلي، يتيح رفع جودة الخدمات وتقليص الهدر في آن معًا
كما يطرح تحديث الإدارة العامة ضرورة إعادة بناء نظام التوظيف على أساس الجدارة والمنافسة والامتحانات، بما يسمح باستقطاب الكفاءات الشابة المتخرجة من الجامعات، ولا سيما في مجالات التكنولوجيا والإدارة الحديثة، في ظل عجز القطاع الخاص المتراجع عن استيعابهم. إذ إن جزءًا مهمًا من القوى العاملة الحالية يفتقر إلى المهارات الرقمية والتنظيمية المطلوبة في الإدارة المعاصرة، ما يحدّ من قدرة المؤسسات على التحول نحو العمل الإلكتروني والخدمات الحديثة. ومن شأن اعتماد آليات توظيف وترقية قائمة على الكفاءة أن يفتح المجال أمام استثمار رأس المال البشري الوطني، والحد من هجرة العقول، وبناء جهاز عام مهني قادر على مواكبة متطلبات الدولة الحديثة.
انطلاقًا من هذه الرؤية الإصلاحية، يقتضي المسار التحليلي البدء بتشخيص مشكلات القطاع العام البنيوية، قبل الانتقال إلى تقييم السياسات الحكومية الأخيرة التي عالجت الأزمة بصورة جزئية ومثيرة للجدل من حيث المنهجية والتوقيت. فقد اتجهت الحكومة إلى زيادة الإيرادات الضريبية بالتوازي مع تقديم زيادات ودعم للأجور في القطاع العام، من دون أن يتضح إطار استراتيجي متكامل لإدارة المالية العامة أو لإعادة هيكلة الدولة. ويطرح هذا النهج إشكالية أساسية، إذ إن تمويل رواتب جهاز إداري متضخم وغير معاد الهيكلة يشبه ضخ موارد في بنية مؤسسية متصدعة، ما يحدّ من الأثر الإصلاحي لأي زيادة في الأجور.
كما يثير توقيت الإجراءات الضريبية تساؤلات اقتصادية، ولا سيما في ما يتعلق برفع الرسوم على المحروقات، وهي مدخل إنتاجي شامل يؤثر في مجمل كلفة السلع والخدمات. فمثل هذه الضرائب غير المباشرة ذات أثر تضخمي سريع نسبيًا، في حين أن تحصيل الإيرادات وتوظيفها في تحسين الأجور والخدمات يتم بوتيرة أبطأ، ما يفاقم فجوة القدرة الشرائية على المدى القصير. ويُضاف إلى ذلك غياب رؤية ضريبية واضحة توازن بين الضرائب المباشرة على الدخل والضرائب غير المباشرة على الاستهلاك، في ظل مؤشرات مستمرة على ضعف الامتثال الضريبي واتساع نطاق التهرب، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات. وبذلك تبدو السياسة المالية الراهنة أقرب إلى معالجة ظرفية للسيولة والأجور.
انطلاقًا من ذلك، يصبح إصلاح القطاع العام جزءًا من مقاربة أوسع تقتضي وضع استراتيجية اقتصادية وطنية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة: إعادة بناء المؤسسات العامة، إصلاح النظام الضريبي، وتحفيز النمو الاقتصادي المنتج. إذ لا يمكن تبرير استمرار تخصيص الحصة الأكبر من الإنفاق العام لجهاز إداري يعاني مستويات مرتفعة من الهدر والفساد والبطء الإجرائي، على حساب الاستثمار في البنية التحتية والخدمات والتنمية. ومن هنا تبرز أولوية تحديث الإدارة والاقتصاد معًا، بحيث يُعاد توجيه المالية العامة نحو دعم النشاط الإنتاجي وخلق القيمة المضافة.
في هذا الإطار، يشكّل إصلاح النظام الضريبي ركيزة أساسية، ليس من خلال زيادة المعدلات الاسمية المرتفعة أصلاً في بعض المجالات، بل عبر بناء نظام عادل وفعّال قائم على الأتمتة والشفافية وسهولة الامتثال، بما يوسّع القاعدة الضريبية ويحدّ من التهرب. فالنظام الضريبي الكفوء هو الذي يحقق إيرادات مستقرة بمعدلات معتدلة وقابلة للتحصيل، لا الذي يفرض أعباء مرتفعة مع تحصيل ضعيف. ومن هذا المنظور، لم يعد ممكنًا توصيف الأزمة اللبنانية كأزمة سيولة ظرفية، بل كأزمة بنيوية عميقة في نموذج الدولة والاقتصاد، تتطلب إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات والمالية العامة والقطاعات الإنتاجية.
كما أن نجاح أي استراتيجية ضريبية وتنموية يبقى مرتبطًا بإعادة بناء قطاع مصرفي سليم وفاعل، قادر على الوساطة المالية وتمويل الاقتصاد الحقيقي وإدارة المدفوعات بكفاءة. فوجود نظام مصرفي متين يشكّل شرطًا أساسيًا لتحسين الامتثال الضريبي، وتسهيل الجباية الإلكترونية، ودعم الاستثمار والنمو، ما يجعله جزءًا لا يتجزأ من حل الأزمة البنيوية الشاملة.
في هذا السياق، تكتسب رقمنة القطاع العام ومكافحة الاقتصاد النقدي أهمية محورية في أي مسار إصلاحي جدي. فاستمرار الاعتماد الواسع على التعاملات النقدية يشكّل بيئة حاضنة للتهرب الضريبي وتبييض الأموال وضعف الشفافية المالية، ويقوّض قدرة الدولة على الجباية الدقيقة وتتبع النشاط الاقتصادي. ومن شأن التحول إلى إدارة رقمية متكاملة تشمل المدفوعات الحكومية الإلكترونية، والفوترة الرقمية، والربط الآلي بين الإدارات الضريبية والمالية أن يحدّ من الاقتصاد غير المصرّح به ويعزز الامتثال، ما يرفع الإيرادات من دون زيادة الأعباء الضريبية الاسمية.
غير أنّ التعثر الحكومي الراهن لا يرتبط فقط ببطء التحديث الإداري، بل أيضًا بإخفاق أعمق في معالجة الاختلالات المالية المتراكمة، ولا سيما مسألة الفجوة المالية في القطاع المالي. فغياب إطار قانوني واضح وموثوق لمعالجة هذه الفجوة وتوزيع الخسائر أعاق إعادة هيكلة المالية العامة والقطاع المصرفي، وأضعف مصداقية الموازنة وقدرتها على عكس واقع الالتزامات والإيرادات بصورة شفافة. وبذلك يتقاطع فشل ضبط المالية العامة مع تعثر الإصلاح المالي الأشمل، ما يحدّ من قدرة الدولة على الانتقال إلى نموذج اقتصادي أقل نقدية وأكثر رسمية وامتثالاً.
وفي المحصلة، لم تعد أزمة القطاع العام في لبنان أزمة رواتب أو سيولة فحسب، بل أزمة بنيوية في حجم الدولة ووظيفتها ونموذج إدارتها للاقتصاد. ويقتضي الخروج منها إعادة هيكلة شاملة تقوم على قطاع عام أصغر وأكثر كفاءة، ونظام ضريبي عادل ورقمي، قطاع مصرفي متعافي واقتصاد أقل نقدية وأكثر إنتاجية. ومن دون هذا التحول الهيكلي، ستبقى أي معالجات مالية أو زيادات ظرفية في الأجور عاجزة عن استعادة فعالية الدولة أو تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام.
جوزيف زغيب
المصدر: Al- Kadiya






