الأخبار والأنشطة

14 أيلول 2023
سيرة نبيذ زحلة وخماراتها(2): أجيال توما ونكد وأبو حنا
حققت صادرات النبيذ اللبناني أرقاماً قياسية في التصدير، وصلت قيمتها بين عامي 2020-2022 إلى 31 مليون دولار وفقاً لإحصاءات مديرية الجمارك.
ولدى سؤال المنتجين عن الركائز التي ساعدتهم في إختراق أسواق تبدو إمكانيات المنافسة بالسعر الأدنى فيها شبه معدومة، يتحدث هؤلاء عن نوعية إنتاج تحددها طبيعة الأرض والمناخ الذي ينمو فيه العنب، ولكن أيضاً عن القصص الرومانسية التي رافقت ولادة النبيذ اللبناني في بعض خماراته (راجع الجزء الأول).
في داخل كل منا حنين لمثل هذه القصص الرومانسية. ولكننا عندما حاولنا تتبعها بين خمارة وأخرى، اكتشفنا أيضاً كفاح عائلات، وشغف متوارث بين أجيالها، إلى أن وصل الجيل الحالي مسلحاً بالثقافة وحب المعرفة ومغامرة التجربة، مقروناً بتضافر عائلي، سمح لكل من يحرر "قنينة نبيذ" من "فلينتها" بتجربة فريدة. 
هنا الجزء الثاني من سيرة نبيذ زحلة وخماراتها:

مع توما صار للنبيذ هوية لبنانية
عائلة توما هي من العائلات الأقدم التي بدأت بإنتاج العرق منذ سنة 1888. الجيل الحالي في الخمارة هو الخامس، وهو الجيل الذي كبرت معه إمبراطورية توما، لتحتل لنفسها مكانة متقدمة بين مصنعي النبيذ في السوق اللبناني والخارجي. المكان المفتوح للزوار تتوسطه كابيللا محفورة بالصخر للقديس نيقولاوس شفيع العائلة، تتشارك فيه العائلة الصلوات أيضاً مع ضيوفها الذين يتوافدون بشكل متواصل للتعرف على أحدث أنواعها المنتجة، فيتشاركون هنا في القطاف والاطلاع على تقنيات الصناعة والتذوق ويخرج كل منهم مع شعور بأن الخمارة خمارته.

تفرح العائلة بأن هذه الشهرة لسان توماس لم تعد مقتصرة على لبنان. لأن العالم كما يقول جو أسعد توما بات متحمساً لتذوق طعمات خارج القالب الفرنساوي الأكثر شهرة بهذه الصناعة. ويعتبر أن النبيذ اللبناني يكشف عن قصص شغف ربطته بالعائلات التي خطت خطوات متقدمة في هذه الصناعة.

أقبية سان توماس


برأي جو أسعد أن مستهلكي النبيذ يبحثون دائماً عن الجديد. وفي السنوات الأخيرة بات هناك إهتمام أكبر بتاريخ نشأة هذه الصناعة ومنبعها. هناك من يقول أنه ظهر في جيورجيا وأرمينيا ووصل إلى أراضينا. وقد نقله الفينيقيون إلى تونس وساحل بحر المتوسط وأوروبا. بينما دراسة أخرى أظهرت أن هذا الإنتاج انطلق من الأردن، سوريا، العراق لبنان وفلسطين ووصل إلى جورجيا، وهذا ما نحاول التأكد منه.

وبالعودة إلى إنتاج النبيذ في خمارة سان توماس فقد بدأ مطلع تسعينيات القرن الماضي مع الوالد سعيد توما، الذي كان يملك شغفاً بالصناعة. فتحول جزء كبير من الأراضي المزروعة بالعنب لديه نحو الأنواع المستخدمة في صناعة النبيذ، ناقلاً الشغف إلى أبناء عائلته، نساء ورجال، حتى بات جميع أفرادها يدورون في فلك هذه الصناعة، ويقدمونها بحرفية تامة، وغيرة على الصناعة عموماً، تعرب عنها ميشلين توما، التي اختيرت من بين أفراد عائلتها كرئيسة لنقابة تجمع مصنّعي النبيذ في لبنان.

نبيذ مصنّع من العنب العبيدي اللبناني


صحيح أن كل شيء في خمارة سان توماس يتحدث عن المكانة التي يحتلها "نبيذ توما" في عالم هذا الإنتاج، إلا أن البصمة التي خلفتها العائلة هي في النبيذ المصنع من العنب العبيدي تحديداً، بما حملته التجربة التي يعتبر جو أسعد توما عرابها، من مغامرة، خصوصاً أن النبيذ منتج دقيق تتأثر جودته بأصغر العوامل المرافقة لعملية التصنيع.

ما لاحظه توما من خلال المشاركة في معارض النبيذ بالخارج، أن السؤال الذي يطرح فور تذوق نبيذ لبناني هو عن نوعية العنب المستخدم في المنتج، وكان الكثيرون يتفاجأون باستخدام العنب المستورد، مع أن لبنان عرف بانتاج النبيذ منذ 4 آلاف سنة. ولذلك يقول "بحثنا عن أنواع العنب اللبناني التي يمكن استخدامها في النبيذ، وذلك بهدف ربط النبيذ اللبناني بهوية العنب المنتج بأرضه أيضاً. فكان سهلاً أن تبدأ تجربتنا بـ"العبيدي"، المستخدم أساساً في صناعة العرق، والذي للتأكد من أصوله اللبنانية أرسلت عينات منه لتفحص في مختبرات فرنسا وسويسرا، فتبين أن جيناته لبنانية مئة بالمئة.

لا يزال جو أسعد توما طامح بإيجاد أنواع عنب أخرى من أصول لبنانية لإنتاجات تحمل الهوية. ولذلك تجده يتنقل من استقصاء إلى آخر، مستعيناً بالعنصر الشاب الذي يزداد شغفه بصناعة النبيذ يومياً. وفي الأثناء تجتهد خمارة توما في الحفاظ على استقرار وجودها، وخصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يجتازها القطاع عموماً. وكل همه الحفاظ على كل الحلقة التي يضمها الإنتاج، وخصوصاً مزارعي العنب ومساحاته التي تكبر وتتسع يومياً.

نبيذ نكد "من ذاق علق"
عندما نطلب من جلال نكد أن يروي لنا قصة نبيذ نكد ونشأته، يدعونا لمرافقته إلى داخل منزله العائلي، حيث صور قديمة تعود إلى مرحلة الانتداب الفرنسي، تظهر ضباطاً بالجيش الفرنسي كانوا لا يشربون إلا من نبيذ نكد، ويتحدث عن رسالة شكر لجده أرسلها شارل ديغول. فيروي جلال: كان ديغول يتردد إلى لبنان والجزائر دائماً. وفي إحدى زياراته، سأل ضباطه عن علاقتهم بأبناء القرى، فأخبروه عن العلاقة الجيدة مع يوسف نكد الذي كان وحده لا يبيعهم الخمرة مغشوشة. فكتب له ديغول رسالة شكر، ووهبه ألف فرنك حينها كتهنئة على نبيذه.

يحافظ نبيذ نكد على أسواقه الخارجية


إلى جانب هذه الصورة التي استجلبت الذكريات، صورة أخرى يظهر فيها "مكارية" حمص الذين كانوا يحضرون على حمير يحملون على ظهرها اليانسون والعنب الأبيض.

الصور ليست وحدها التي تشير إلى الشغف بالكرمة وانتاجاتها في هذه العائلة، وإنما جذع عريشة تخترق غرفة الجلوس وسط الذكريات التي تشير إلى تجذر العائلة أباً عن جد في صناعة النبيذ. وتقديرهم لكل شخص تذوق نبيذ نكد وعرف طعم فمه، ومن بين هؤلاء الفنان زياد الرحباني الموجود ضمن إطار على أحد حيطان المنزل أيضاً.

بدأت عائلة نكد بإنتاج النبيذ قبل الحرب العالمية الأولى، وكانت بدايتها محاولة لتلبية حاجة فردية لدى والد جد جلال، قبل أن يتحول الشغف استثماراً.

إلا أن تقديم إنتاج النبيذ كسلعة لعموم الناس بدأ مع يوسف نكد، الماركسي المتقدم على شباب عصره بطريقة تفكيره، مثّل الجيل الأول من صانعي النبيذ في هذه العائلة. وقد أورث الخلطة من بعده إلى أولاده، لتستكمل المسيرة مع "أبو جورج" وأولاده، ولا سيما جلال، الذي يتولى حالياً المهمة مع أشقائه الذين يمثلون الجيل الثالث.

رغم كل الصعوبات يحافظ نبيذ نكد على أسواقه في فرنسا وأميركا والسويد وألمانيا وسويسرا، وإن كان يعتمد حتى الآن على التسويق العائلي. وهذا ما يجعله في حالة استقرار تضمن تصريف كمياته لزبائن مضمونين، توارثتهم أجيال مصنعي نبيذ نكد من جيل إلى جيل أيضاً. فصمد بوجه "المونوبول" المسيطر من قبل الشركات الكبرى التي تعتمد على قوة التسويق.

يقول نكد: خمارتنا عائلية ونبيذنا عائلي ويحمل إسم العائلة. وهو من الإنتاجات القليلة التي تحمل إسم العائلة. ولذلك لا يمكننا التخلي عن هذه الصناعة التي تخبر قصة عائلتنا.

يأسف جلال لكوننا في لبنان لا نزال نفتقد لثقافة النبيذ، لأن النبيذ ليس خمرة بل هو مجموعة أحاسيس تلتقي لتخبر عن نوعية العنب المستخدم والأرض التي انتجتها وطريقة الصناعة. وهذا الذي يجعل نكد يحظى بتقدير أكبر في الخارج.

ولكن، رغم هذه الصعوبات لا تتوقف طموحات جلال بنقل هذا الإرث إلى الجيل الرابع. وهو يبحث دائماً فيما يرضي أذواق الأجيال الجديدة ليضيف إلى النبيذ خطوط إنتاج جديدة استحدثت في الخمارة، ومن بينها إنتاج "الأفنديللو" و"الجين" و"اللوكير". من دون أن يعني ذلك التخلي عن صناعة النبيذ. فهذا كان الشغف الذي حارب من أجله والده، حافظاً للعائلة مكانتها في عالم النبيذ وصناعته. وعليه، فإن حرص أولاده واضح لإبقاء ذكراه قائمة في كل جزء من أرجاء المنزل والخمارة.

نبيذ أبو حنا "لأجل عيون فهدا"
في أزقة داخلية بمحلة الكرك التابعة لمدينة زحلة، بمنطقة تتجاور فيها كنيسة مار أنطونيوس ومقام قبر نوح، الذي يروى أنه كان أول من أدخل زراعة العنب إلى هذه المنطقة، دبت الحماسة لدى كل من أمين، نقولا، وجو لإعادة بعث الحياة في خمارة أبو حنا، فأفرحوا قلب "فهدا" التي كانت الحافز الأول لإنتاج نبيذ "أبو حنا" منذ خمسينيات القرن الماضي، وما زالت لولب إنتاجيته والمعجبة الأولى والدائمة به حتى الآن.

الجدة الأرجنتينية من أصول لبنانية التي كانت تعمل في خمارة والدها إميليو ناصيف أبو حنا منذ كان عمرها ست سنوات، تزوجت من إبن عمتها الذي كان قد سافر إلى الأرجنتين ليتعلم الصناعة ويكتسب فيها الخبرة من خاله، فأغرم بابنته.

لم تطل غيبة الجد عن بلده طويلاً، فأحضر عائلته وعاد إلى لبنان، حيث يملك مساحات واسعة من الكروم المزروعة بالعنب في منطقة بحوشا، بأعالي زحلة. إلا أن فهدا التي كانت معتادة على احتساء النبيذ بشكل دائم، لم تجد طعم عائلتها الارجنتينية في لبنان. وهذا ما جعل زوجها يجتهد معها لإنتاج حاجتهما المنزلية أولاً.

خمارة أبو حنا القديمة

في أول عصرة عنب أنتجا 300 كيلو فقط، وكانت فهدا تقدم منه لضيوفها بدلا من القهوة، وفي السنة التالية ضاعفا الكمية، إلى أن بدأ تصريف الإنتاج في سوق زحلة، فكانت فهدا تغسل العبوات وتعبئها وتضع عليها "الاتيكيت" ويذهب زوجها على دراجته الهوائية إلى زحلة ليبيعها، حتى كبر الطلب وصار تجهيز الخمارة بالمعدات اللازمة ضرورياً.

يقول جو أبو حنا، وهو من الجيل الثالث في عائلة نبيذ أبو حنا، أنه عندما قرر مع شقيقه نقولا وعمه أمين أن ينفضوا الغبار عن الخمارة التي كان عملها قد تراجع منذ حرب السبعينيات، اكتشفوا تفاصيل تظهر إستعانة جده بالخبراء الذين استقدمتهم الإرسالية اليسوعية في تجهيز خمارة كساره.

كان للأزمة الأخيرة الفضل في استعادة خمارة أبو حنا لحركتها. فهي قد شجعت كل من نقولا وجو على التحرر من وظائفهما، التي ما عادت تعيل العائلة، فاستعانا بخبرة عمهما وإطّلاعه على تفاصيل الصناعة، وانطلقا بالإنتاج ببركة جدتهما.

أجيال بكنف الجدّة الأرجنتينية



بعد سنوات من تأمين الإنتاج بأعداد محدودة في الخمارة، باتت إنتاجات أبو حنا من نبيذ وعرق بالإضافة إلى الـ vin liquor الذي حثتهم الجدة على إنتاجه حتى لا يخسروا إنتاج عنب العبيدي ويبيعوه بأسعار بخسة، تحتل مساحة في السوق البقاعية، وهي حالياً تشق طريقها نحو أسواق أخرى أبرزها مؤخراً في جبيل، مع طموح بالتوسع نحو الخارج، والإنضمام إلى خريطة الخمارات التي يمكنها أن تستقبل الزوار. وهذا ما يسعد قلب الجدة التي شارفت على إنهاء قرن من العمر ولا زالت تصر على إحتساء النبيذ مع الغذاء والعشاء، مع حرص على إبداء رأيها، وإسداء النصائح للجيل الجديد من مصنعيه في عائلتها، حتى يبقى الطعم شبيه بذلك الذي رافقها منذ سنين طفولتها حتى اليوم.

المصدر: المدن

من نحن

تطلّعاتنا هي تأمين عمل لائق ودخل مستدام ومستقر لضمان التنوع الصحي للمجتمع اللبناني والعمل على تشجيع الأفراد اللبنانيين على المساهمة الفعالة في بناء الأمة من خلال مؤسسات القطاع العام.